الشيخ محمد رشيد رضا
430
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الدين وبناءها على أساس العلم والعقل وان الأمم التي يجرى فيها هذا التحويل لا بد أن تقع في طور التحويل في فوضى أدبية لا تعرف عاقبتها ولا يحدد ضررها . هذا معنى كلامه في بعض كتبه . وقد قال هو للأستاذ الامام في حديث له معه : إن الفضيلة قد اعتلت في الأمة الانكليزية وضعفت في هذه السنين الأخيرة من حيث قوى فيها الطمع المادي . ونحن نعلم أن الأمة الانكليزية من أشد أمم أوروبا تمسكا بالدين مع كون مدنيتها أثبت وتقدمها أعم لان الدين قوام المدنية بما فيه من روح الفضائل والآداب على أن المدنية الأوربية بعيدة عن روح الديانة المسيحية وهو الزهد في المسال والسلطان وزينة الدنيا ، فلو لا غلبة بعض آداب الإنجيل على تلك الأمم لا سرفوا في مدنيتهم المادية اسرافا غير مقترن بشئ من البر وعمل الخير وإذا لبادت مدنيتهم سريعا . ومن يقل إنه سيكون أبعدها عن الدين أقربها إلى السقوط والهلاك لا يكون مفتاتا في الحكم ولا بعيدا عن قواعد علم الاجتماع فيه . فخاصل هذا الجواب الأول عن ذلك الايراد : أن وجود أفراد من الفضلاء غير المتدينين لا ينقض ما قاله الأستاذ الامام من كون الدين هو الهداية الرابعة لنوع الانسان التي تسوقه إلى كماله المدني في الدنيا كما تسوقه إلى سعادة الآخرة وثانيا : إنه لا يمكن الجزم بأن فلانا الملحد الذي تراه عالي الافكار والآداب قد نشأ على الالحاد وتربى عليه من صغره ، حتى يقال : انه قد استغنى في ذلك عن الدين لأننا لا نعرف أمة من الأمم تربى أولادها على الالحاد واننا نعرف بعض هؤلاء الملحدين الذين يعدون في مقدمة المرتقين بين قومهم ، ونعلم أنهم كانوا في نشأتهم الأولى من أشد الناس تدينا واتباعا لآداب دينهم وفضائله ثم طرأ عليهم الالحاد في الكبر بعد الخوض في الفلسفة التي تناقض بعض أصول ذلك الدين الذي نشأوا عليه ، والفلسفة قد تغير بعض عقائد الانسان وآرائه ولكن لا يوجد فيها ما يقبح له الفضائل والآداب الدينية ، أو يذهب بملكاته وأخلاقه الراسخة كلها ، وإنما يسطو الالحاد على بعض آداب الدين كالقناعة بالمال الحلال فيزين لصاحبه أن يستكثر من المال ولو من الحرام كأكل حقوق الناس والقمار بشرط أن يتقى ما يجعله حقيرا بين من يعيش معهم أو يلقيه في السجن وكالعفة في الشهوات فيبيح له من الفواحش